ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )

239

المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر

وقد ذكرت في الفصل السابق درجات الرضا فلا حاجة للإعادة هنا وقال بعضهم : علامة الولي ثلاثة : إنصاف عن قوة ، وتواضع عن معرفة « 1 » وزهد عن قدرة هذه الثلاثة تحتاج إلى توضيح وبيان : أما الأول فقوله : إنصاف عن قوة بيانه أن العلماء عرّفوا العلم بتعريفات فقالوا : العلم حصول الشيء في الذهن على ما هو عليه ، وما شاكل ذلك إما باعتبار المبادئ وإما باعتبار الغاية . فقالوا : العلم تحرير في موضع الاستحالة ، غاية العلم أن يصل الشخص إلى مرتبة يجوز شيئا محالا بالدليل العقلي والنقلي ، كما قيل : جاء رجل من أهل العلم إلى بلد ، وقال : لحم الفيل حلال ، ومن يقول بحرمته يبحث معي . فحضر العلماء فبحثوا عن هذه المسألة فقرر هذا الشخص حليّة لحم الفيل حتى قبلوا جميعهم ، ثم قال : لحم الفيل حرام ، وقرر حرمته حتى قبلوا جميعا حرمته ، ثم قال : أنا كنت مقرّا بحرمته ومقصودي من هذا البحث معرفة غاية علمكم ، فالمقصود أن الإنسان إذا وصل علمه إلى هذه الغاية ثم تكلم في مسألة أو ألف كتابا والإنسان لا يخلو في كلامه أو تأليفه من غلط أو سهو ، فإذا اطلع على ذلك الغلط ينصف من نفسه ويشكره ويعترف بغلطه ولا يجيبه بقوة علمه بما يصلح غلطه بالتكلف ، لأن الذي يجوز المحال لا يعسر عليه إصلاح غلطه ، هذا معنى انصاف عن قوة ، ولا يقدر على هذا ، الأولى والمراد من هذا البسط تعريف العلم باعتبار المبادئ والغاية وتحريص من يقف على هذا الخلق الحسن . وأما الثاني : تواضع عن رفعة ، وهو أن الإنسان إذا وسع جاهه عند السلاطين والملوك وأهل الفضل يحضرون في مجلسه ويقومون بين يديه بالأدب والتعظيم فجاء إليه رجل من أراذل الناس وقال لذلك الرجل الجليل القدر : أريدك أن تأتي إلى بيتي ، فإن لي فيك حاجة ، فيقوم في الحال ويأتي إلى بيته ويقضي حاجته ثم يرجع إلى مجلسه ، وهذا معنى تواضع عن رفعة ولا يقدر على هذا الأولى . وأما الثالث : فمعنى زهد عن قدرة وهو أن أكثر الناس يزهدون في الدنيا لعجزهم عن تناولها ، أو كخوف بعض الناس من عاقبتها في الآخرة بسبب التلوث بحرامها وشبهاتها ، وقل من يوجد في زماننا هذا المتورع عن الحرام بل الحلال ما حل في اليد ، فهذا وأمثاله كالمعدوم . وأما الذي يأخذها من حلّها ويصرفها في محالها ولا يتلوث بشيء من محرماتها

--> ( 1 ) - خ ل : رفعة .